فخر الدين الرازي
247
تفسير الرازي
المسألة الخامسة : وصف اليوم بالعبوس مجازاً على طريقتين أحدهما : أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء كقولهم : نهارك صائم ، روي أن الكافر يحبس حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران والثاني : أن يشبه في شدته وضراوته بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل . المسألة السادسة : قال الزجاج : جاء في التفسير أن قمطريراً معناه تعبيس الوجه ، فيجتمع ما بين العينين ، قال : وهذا سائغ في اللغة يقال : اقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها ورمت بأنفها يعني أن معنى قمطر في اللغة جمع ، وقال الكلبي : قمطريراً يعني شديداً وهو قول الفراء وأبي عبيدة والمبرد وابن قتيبة ، قالوا : يوم قمطرير ، وقماطر إذا كان صعباً شديداً أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء ، قال الواحدي : هذا معنى والتفسير هو الأول . * ( فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَومِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ) * . اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم أتوا بالطاعات لغرضين طلب رضا الله والخوف من القيامة بين في هذه الآية أنه أعطاهم هذين الغرضين ، أما الحفظ من هول القيامة ، فهو المراد بقوله : * ( فوقاهم الله شر ذلك اليوم ) * وسمى شدائدها شراً توسعاً على ما علمت ، واعلم أن هذه الآية أحد ما يدل على أن شدائد الآخرة لا تصل إلا إلى أهل العذاب ، وأما طلب رضاء الله تعالى فأعطاهم بسببه نضرة في الوجه وسروراً في القلب ، وقد مر تفسير * ( ولقاهم ) * في قوله : * ( ويلقون فيها تحية ) * ( الفرقان : 75 ) وتفسير النضرة في قوله : * ( وجوه يومئذ ناضرة ) * ( القيامة : 23 ) والتنكير في * ( سروراً ) * للتعظيم والتفخيم . * ( وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً * مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الاَْرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً ) * . والمعنى وجزاهم بصبرهم على الإيثار وما يؤدي إليه من الجوع والعري ، بستاناً فيه مأكل هنيء وحريراً فيه ملبس بهي ، ونظيره قوله تعالى : * ( ولباسهم فيها حرير ) * ( الحج : 23 ) أقول : وهذا يدل على أن المراد من قوله : * ( إنما نطعمكم ) * ( الإنسان : 9 ) ليس هو الإطعام فقط بل جميع أنواع المواساة من الطعام والكسوة ، ولما ذكر تعالى طعامهم ولباسهم ، وصف مساكنهم ، ثم إن المعتبر في المساكن أمور : أحدها : الموضع الذي يجلس فيه فوصفه بقوله : * ( متكئين فيها على الأرائك ) * وهي السرر في الحجال ، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعت ، وفي نصب متكئين وجهان الأول : قال الأخفش : إنه نصب على الحال ، والمعنى وجزاهم جنة في حال اتكائهم كما تقول : جزاهم ذلك قياماً ، والثاني : قال الأخفش : وقد يكون على المدح .